كريم نجيب الأغر
150
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
وهذا يفيد أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم بوحي ربّاني أن هناك عناصر أخرى لا تختلط مع عروق الحيوان المنوي . 6 - إن عروق نطفة الرجل تقترب من عروق نطفة المرأة « 1 » ، فالانتشار بين عروق المرأة يستوجب الاقتراب منها ، وإلا لما استطاعت العروق الاختلاط . ( انظر الصورتين رقم : 37 - 38 ) . ومما يثبت صحة كلامنا هذا ، هو قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً [ الفرقان : 54 ] ، فهذه الآية - كما سبق وتكلمنا - تشير إلى انصهار نواتي الماءين ، والانصهار يتوقف على الاقتراب . ونفهم من هذا الحديث أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يعلم أن نواتي الحيوان المنوي والبويضة تنجذب إحداهما إلى الأخرى . 7 - إن عملية التقدير المذكورة في الآية : مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ تكون من خلال مشج ( أي اختلاط ) العروق فيما بينها ، وذلك يوافق ما جاء في الآية : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً . . . من أن النسب يعقب الخلق وذلك بانصهار النواتين ، كما أنه يوافق المعنى الذي أتى في الحديث : « إذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها ليس منها عرق إلا يسأل اللّه أن يجعل الشّبه له » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] والمفيد بأن إحضار الشبه يكون عندما يحين الخلق وذلك بسبب العروق . 8 - إن رأس الحيوان المنوي يتسع ويتضخم ، فالانتشار يقضي تمدّد وتبعثر أعضاء المادة المنتشرة . والحيوان المنوي في بادئ الأمر يكون غليظا كثيفا بالنسبة لنطفة المرأة ( فعروقه أكثر تراصا وتراكما من عروق المرأة ) كما يشير إليه الحديث النبوي الشريف « نطفة الرجل بيضاء غليظة . . . » [ ذكره ابن هشام ح 69 ] ومن ثم تضطرب عروقه وتتسع ( أي تتحرك وتتمدد ) كما يعنيه الحديث « إذا كان حين الولد اضطربت العروق كلها » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] « 2 » ( انظر الصورة رقم : 36 ) ، ومن ثمّ تنتشر وتختلط عروق النطفتين وفق الحديث « طار ماؤه في كل عرق وعصب منها » [ أخرجه الطبراني ح 21 ] ( انظر الصورة رقم : 39 ) ، بعكس حالة البويضة ، فهي في بادئ الأمر رقيقة ، قليلة الكثافة بالنسبة للحيوان المنوي كما وصفها الحديث « نطفة المرأة صفراء رقيقة . . . » [ ذكره ابن هشام ح 69 ] ، غير أن تلك العروق تستكمل امتدادها فور دخول الحيوان المنوي لأن الحديث شمل كلّ العروق في عملية الاضطراب كما أتى في لفظ « اضطربت العروق كلها » [ أخرجه الحكيم الترمذي ح 22 ] ولم يشر إلى بعضها دون البعض الآخر .
--> ( 1 ) وبالتحديد إن عروق نطفة المرأة وعروق نطفة الرجل تقترب بعضها من بعض . ( 2 ) انظر مبحثي « اضطراب عروق النطفة » و « النطفة » .